خاطرة
في تجلّيات الجمال وانطفاءِ المعنى.. صرخةٌ لإحياءِ رُوحِ الأدب
استوقفني اليوم بيتٌ باهر للنحويّ، يسبر فيه أغوارَ الحُسْنِ قائلاً:
والحُسْنُ ما استحسنتْه النفسُ لا البَصرُ
فتجلّت أمامي كلماتُ الأستاذ “سليمان الناصر” كأنها قَبَسٌ يُضيءُ عتمةَ هذا الفهم، حين تناول الفارق الدقيق بين “الجَميل” و"الجَمَال"؛ حيث أبانَ بفيضِ بصيرته أنَّ الجمالَ روحٌ معنويةٌ ساميةٌ تنبضُ بالحياة، تُشرق في البصائر قبل الأبصار، في حين أن الجميلَ ليس سوى مادةٍ زائلة، وهيكلٍ طينيّ يقبلُ الفناءَ كما يقبلُه الزمان. وليس في سِفْرِ الخلودِ أبلغُ مما يفوقُ هذا الفناءَ ويسمو عليه.
والشاهدُ في هذا المقام، أنَّ الكاتب والشاعر إنْ لم يُدرك أهميةَ إعادةِ تشكيلِ مصطلحاته، وإن لم يُرتب أفكارَه ترتيباً يجعلها شاهدةً على عمقِ التجربة وامتدادِ الرؤية —فإنَّ اللغةَ، كما قيل، نفوسُ أصحابِها— سيؤولُ بنا ذلك إلى المأزقِ الذي نتخبطُ فيه اليوم؛ عبثٌ لا طائل منه، حيثُ الكلامُ مُفرغٌ من رُوحِه، والمَبنى مفصولٌ عن معناهُ في قطيعةٍ مُوحِشة.
وليس ما أطرحهُ هنا نقداً جافاً، ولا تنظيراً أكاديمياً جامداً، بل هو صدى لحاجةٍ مُلِحّة، تترددُ أصداؤُها في زمنٍ يأفلُ فيه الفكر، ويذوي فيه الحسُّ، وتضطربُ فيه القيمُ وموازينُ التذوق. مما يستدعي، وبكل جِدّ، إعادةَ التربيةِ الذوقيّةِ للأدب، وإحياءَ رُوحِ النّقدِ الحيّ في نفوسِ الأدباءِ والعامةِ على حدٍ سواء، علّنا نَرُدُّ للأدبِ ألَقَه، وللرّوحِ بريقَها المَطمور تحت رُكامِ الّلامعنى.
