خاطرة
صدى الصحراء في جبال القوقاز.. حين ارتدى «إسحاقيان» جُبّة «المعري»
يُقال في مأثور القول إنّ الإنسان ابنُ بيئته، ولعلّ الأدقَّ والأعمقَ أن نقول: إنه “ابنُ تعبئته”؛ فهو حصيلةُ تلك المُدخلاتِ التي تتفاعلُ في أغوار نفسه مع دوائرَ شتى، غريزيةٍ ووراثية. ويتجلّى هذا المعنى في أبهى صوره حين نُطالع سيرة الشاعر الأرميني الفذ “أفيتيك إسحاقيان” (Avetik Isahakyan)، ذلك الذي عاش بين أواخر القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، حاملاً بين ضلوعه همومَ أمته، نابضاً بكل ما تملك الروح من طاقةِ الإحساسِ والشعور؛ فقد أخرج للناس ديوانه الأول «أغنيات وجراح» ولمّا يبلغ العشرين من عمره، فطار صيته في الآفاق ولاقى رواجاً واسعاً.
لقد تفتّحت قريحةُ إسحاقيان الشعرية وهو دون الثانية عشرة، فَلَمَح أساتذته وميضَ النبوغ في عينيه، فأخذوا بيده نحو آفاق الأدب الأرميني والعالمي. غير أن طريق العبقرية محفوفٌ دائماً بالأشواك؛ فدفع ضريبةَ وعيه المُبكّر حين سُجن عام 1896 بتهمة معاداة حكم القيصر، لكونه نصيراً لحركات التحرير وروح الفداء. طاف بعدها أرجاء أوروبا، وبلغ البندقية وغيرها من البلدان، وهناك، كتب قصيدته الخالدة عن “أبي العلاء المعري”؛ ذلك الشاعر الفيلسوف الذي طار ذكره في ثقافات الأرض قاطبة، وتناوله الأدباء بمختلف لغاتهم، متحضّرهم وبدويّهم.
في «ملحمة أبي العلاء»، لم يكتفِ إسحاقيان بسرد الأحداث، بل حاكى وتقمّص شخصية المعري وفلسفته في الدفاع عن الحقيقة ومقارعة الظلم والفقر والقهر، والدعوة إلى الحريات الثلاث: السياسية والاجتماعية والسلوكية. وظل طيلة حياته وفيّاً لمنابع إلهامه، وهو القائل:
"إنَّ أدِلَّائي في الشِّعر هُم: الطَّبيعَةُ، والشَّعبُ، والثَّقافَةُ الكلاسيكيَّة".
وهذا البوح يكشف عن قلبٍ إنسانيّ شفّاف، يلتقط من الذبذبات ما يغيب عن غيره، ويعكس مدى استناده إلى أصالة المصدر المُستلهم منه. إنه يُذكّرنا بشعراء البادية العربية الذين عانقوا الطبيعة والأصالة، ففجّروا من صخورها أنهاراً من الحكمة والإبداع، ورسموا لوحاتٍ انسيابيةً لحياتهم اليومية وما يُخالج أنفسهم بتصاويرَ مُباشرةٍ بسيطة، ولّدتها بساطةُ نظرتهم للحياة في صحراءَ طُهِّرت من دنسِ ابن آدم، بفطنةٍ تطورت بتفاعلاتهم مع البيئة وتراكم ثقافات أجدادهم الناسجة لبواطن نفوسهم عبر السنين. وهنا، تتجلى عبقرية المقولة التي أوردها ابن أبي حاتم عن الإمام الشافعي:
"أصْحَابُ العَرَبِيَّةِ جِنُّ الإِنْسِ، يُبْصِرُونَ مَا لَا يُبْصِرُ غَيْرُهُمْ".
لقد كان إسحاقيان نهراً ثقافياً يصبّ فيه مختلف التيارات الفكرية والعلمية؛ فكان يستخلص الحكمة من أساطير الشعوب وحكاياتها، وما يعكس هذا ما كتبه عن «مجنون ليلى» وحضارة «تدمر» و«موت سقراط». فهو ممن أبدعوا في العزف بأشعارهم على لحن ثقافاتٍ وحضاراتٍ عريقة تمتد جذورها للطبيعة والأصالة لتتلاقى معه في منابعها. وكان وطنياً بدرجة عابد، يقول عنه الأديب “سيمون تشيكوفاني”:
"إن إسحاقيان يتغنى بماضي وطنه برومانتيكية عاشق ولهان سُحر بجماله الخالد. فالوطن عنده يسمو إلى مرتبة العبادة والتقديس. وربة إلهام الشعر لا تكف عن إيحائه وسحره بماضي ذلك الوطن، وبحاضره وبمستقبله، والتغني بأفراحه وبسعادته. وكذلك يعرف الشاعر كيف يرثي آلام وجراح أرمينيا..."
ومن أبلغ ما يصور رقة شعوره، تلك الأبيات التي نقلها الأستاذ “نزار ب. نظاريان” في ترجمته لكتاب إسحاقيان «ملحمة المعري»، حيث ينفث إسحاقيان آلامه قائلاً:
فليس لجراح الدنيا دواءٌ شافٍ أبداً
وحياتنا، ما حياتنا؟ إلا لهيبُ شُعلةٍ
تُجاهَ رياحٍ رهيبةٍ للطبيعة.
الحُبُّ والأغنيات.. المجدُ والعبقرية
أشياءُ تافهةٌ وُجدت لتُنسي المنيّة.
والإنسانُ تعيسٌ، ضعيفٌ، لا حول له
وُلدَ ليكون لقمةً سائغةً للموت..
وقلبي جرحٌ عميقُ الغَور
يبكي ألم الكون..
يبكي قروناً بصمتٍ، بلا دمع، آه..
ضعي رأسكِ المسكين
على صدري الحزين.
تحكي لنا هذه الأبيات مدى رقة شعوره، وحقيقية نظرته تجاه الواقع، وكرهه للإنسان الغرائزي المتيّم بأكل لحم أخيه وطبخ خبزه بدمه، في مقابل الإنسان الباحث عن الحرية والسلام. ومما يُعرف عن إسحاقيان أنه مُحب للجمال؛ وهنا لنا وقفة، فالجمال أبعد وأعمق وأبلغ في المعنى، حيث أنه يُبرز ما في النفوس من جِنان الخير بقطوفها المختلفة، فالجمال سرمدي لا فناء فيه، ولا مادية حسية محدودة تقيّده. وهذا لا يحط من أنه كان ناثراً بارعاً، سلس التعبير، عميق المعنى، يُلامس معاناة شعبه بأبلغ الصور والتعابير.
أما ما خلّده في سجلات الخلود، فهي “ملحمته المعريّة”. لقد طاف إسحاقيان بثقافات العالم وحضاراتها وضدها، وبساطتها وفلسفتها وحقيقتها، فلم يجد أبلغ وأشمل من نظرة أبي العلاء لفلسفة الحياة، وفجور أهلها، وتناقضات المجتمعات، وفناء القيم، وازدراء المبادئ، وتحطم أعمدة الأخلاق الحاملة لكل حضارة تغنى بها إنسان. فارتدى نظّارات حكمة العرب ليرقى إلى الفكرة، لا لينقش الأحداث؛ وليُخلّد النظرة، لا ليرثي الموقف. فالعربُ هم أقوى مَن يُناقش الأفكار لشمولية زوايا رؤيتهم التي منحتهم إياها الفيافي الممتدة.
والدليل الأكبر على ذلك، أنه لم يسرد معاناته في رحلة المعري بتفاصيلها وأحداثها، بل تقمّص آراءه وفلسفته ليُسقطها على واقعه الأرمني المضطرب؛ ذلك الواقع الذي انتظر منذ عهد أبي العلاء قدومَ إسحاقيان ليحفر اسمه ضمن السكارى على كأس الزمن. وربما تأثر إسحاقيان بالمعري لتشابه التراكم الثقافي والديني الضارب في أعماق التاريخ، منذ عهد “هايك” والزرادشتية، وصولاً إلى المسيحية التي أُعلنت ديناً رسمياً للبلاد عام 40 ميلادياً، مروراً بالاستعمار من الآشوريين وحتى السوفييت. فمجتمع إسحاقيان مُتشرّبٌ لما تشرّبه مجتمع المعري إلى حد كبير؛ من اضطهادات، وحروب، وثورات، وشرائع دينية، وممالك لم تتوقف دماؤها عبر التاريخ.
لقد نأى المعري بتصوفه عن زيف البشر، ولم يغادر كهوفهم الغائرة في جبال الظلام، حيث حكى عن تعرجاتها وجغرافيتها وصدى عوائها، بعينٍ تبتعد في الصحاري لتلتقط صوراً لها من أبعاد متقلبة؛ تقلبَ كثبان جفافها الأخلاقي. وجاء إسحاقيان من جبال الثلج، ليقف على ذات القمة الصحراوية، مرتدياً جُبة المعري، ليقرأ العالم بنفس العين الحزينة البصيرة.
