فَيْضُ الخَاطِر
خواطرُ عابرة… لا يكتملُ بوحها إلا حين تستقر على الورق
يُروى عن الحكيم الصيني “كونفوشيوس” أنه سُئل ذات يومٍ عمّا سيصنعُ بشؤون البلادِ والعباد إنْ أُوكِلَتْ إليه مقاليدُ الأمور، فأجاب بيقينٍ قاطع: “إصلاحُ اللّغةِ بدون تردد”.
ولما سُئل مستغرباً: “ولماذا تبدأ باللغة؟"، جاء ردّه بمثابة دستورٍ فكريّ يستشرفُ مصايرَ الأمم، قائلاً:
"إذا لم تكن اللّغةُ سليمة، فما سيُقالُ سيكونُ مخالفاً للمقصود، وسيترتبُ عن ذلك أنَّ ما يستحقّ الإنجاز لن يُنجز، وإذا لم يُنجز ما يستحقّ الإنجاز، فإنَّ الأخلاقَ والفنون سيحلُّ بهما الانحطاطُ والبَوار، وإذا ما انحطت الأخلاقُ والفنون، فستنحرفُ كفةُ العدالة، وإذا ما انحرفت العدالة، فسوف يقفُ النّاسُ مضطربين ضِعافاً لا حِيلة لهم. وعلى هذا، يَجِبُ التخلّي عن الاعتباطِ والعبثِ في القول، وهذا أمرٌ يتفوّقُ في أهميته على كلّ أمرٍ سِواه".
إنها نظرةٌ ثاقبةٌ تُدرك أن الكلمة ليست مجرد أداةٍ للتواصل، بل هي وِعاءُ الحضارةِ وميزانُ العدل؛ فبفسادِ المعاني تفسدُ النفوس، وبانحطاطِ المُسمَّيات تختلُّ المَقاصد، ولا يستقيمُ أمرُ أمةٍ اعوجَّ لسانُها وانفرطَ عِقْدُ بيانِها.
يُقال في مأثور القول إنّ الإنسان ابنُ بيئته، ولعلّ الأدقَّ والأعمقَ أن نقول: إنه “ابنُ تعبئته”؛ فهو حصيلةُ تلك المُدخلاتِ التي تتفاعلُ في أغوار نفسه مع دوائرَ شتى، غريزيةٍ ووراثية. ويتجلّى هذا المعنى في أبهى صوره حين نُطالع سيرة الشاعر الأرميني الفذ “أفيتيك إسحاقيان” (Avetik Isahakyan)، ذلك الذي عاش بين أواخر القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، حاملاً بين ضلوعه همومَ أمته، نابضاً بكل ما تملك الروح من طاقةِ الإحساسِ والشعور؛ فقد أخرج للناس ديوانه الأول «أغنيات وجراح» ولمّا يبلغ العشرين من عمره، فطار صيته في الآفاق ولاقى رواجاً واسعاً.
استوقفني اليوم بيتٌ باهر للنحويّ، يسبر فيه أغوارَ الحُسْنِ قائلاً:
فتجلّت أمامي كلماتُ الأستاذ “سليمان الناصر” كأنها قَبَسٌ يُضيءُ عتمةَ هذا الفهم، حين تناول الفارق الدقيق بين “الجَميل” و"الجَمَال"؛ حيث أبانَ بفيضِ بصيرته أنَّ الجمالَ روحٌ معنويةٌ ساميةٌ تنبضُ بالحياة، تُشرق في البصائر قبل الأبصار، في حين أن الجميلَ ليس سوى مادةٍ زائلة، وهيكلٍ طينيّ يقبلُ الفناءَ كما يقبلُه الزمان. وليس في سِفْرِ الخلودِ أبلغُ مما يفوقُ هذا الفناءَ ويسمو عليه.
غالبًا ما يشعر المسلمون الذين يعيشون في البلدان النامية بأنهم أدنى من الأشخاص الذين يعيشون في الدول المتقدمة.
نتيجة لهذا الدونية، عزز المسلمون هذه المسافة إلى مجال الأشياء. وقاموا بتقييم وضعهم كتراكمة ناتجة عن نقص الأسلحة والطائرات والبنوك.
وبالتالي، فإن عقدة الدونية، بناء على الفعالية الاجتماعية كمقياس، ستؤدي إلى التشاؤم على المستوى النفسي.
على المستوى الاجتماعيّ، سيؤدي ذلك إلى ما نطلق عليه في أماكن أخرى تراكم. لتحويل هذا الشعور إلى قوة قياديَّة فعالة،
لا توجد خواطر بعد.