قطوفٌ وشَذرات
حكاية عبيد بن شرية مع معاوية في طول العمر
— المستجاد من فعالات الأجواد
قيل لمعاوية بن أبي سفيان: إن بالحيرة رجلاً من أهل العقل والفهم، وقد مضت عليه برهة من دهره، ورأى أعاجيب في عصره. فقال معاوية: هو عبيد بن شرية. ثم سأل: من أي العرب هو؟ قيل: من جرهم.
فلما حضر بين يدي معاوية، قال له: من الرجل؟ قال: مائتان وعشرون سنة. قال معاوية: فما رأيت في طول ما عمرت؟ قال: رأيت قوماً يجمعون لما يبيد عنهم، ولا يعتبرون بمن مضى قبلهم، وقد ذهب الدهر بهم كل مذهب؛ فلولا أن المولود يولد لذهبت الأرض بمن عليها، ولولا أن الحي يموت لضاقت الأرض بمن عليها.
قال معاوية: إن عندك لعلماً! قال: نعم، فسلني. قال: أي المال رأيت أنفع، وإلى صاحبه بالخير أسرع؟ قال: عين جرارة، في أرض خوارة، تعول ولا تعال. قال: ثم ماذا؟ قال: فرس في بطنها فرس، يتبعها فرس. قال: فأين أنت عن الصهابية الحمر والعوسية الشقر؟ قال: تلك يا أمير المؤمنين لغيرك. قال: لمن؟ قال: لمن وليها بيديه ولم يكلها إلى غيره. قال: فأين أنت عن الذهب والفضة؟ قال: حجران مصلتان؛ إن أقبلت عليهما نفدا، وإن تركتهما لم يزيدا.
قال له معاوية: فأخبرني بأعجب ما رأيت في عمرك. قال: نعم يا أمير المؤمنين؛ كنت في حي من أحياء العرب وقد مات لهم ميت يقال له جبلة بن الحويرث، فمشيت في جنازته، فلما دلي في قبره وأعول النساء في أثره، أدركتني عليه رقة وعبرة لم أستطع ردها، فبكيت وتمثلت بأبيات كنت سمعتها. فقال معاوية: قل يا أخا جرهم. فأنشد:
يا قلبُ إنكَ في أسماءَ مغرورُ … فاذكُرْ وهل ينفعَنَّكَ اليومَ تذكيرُ؟ قد بُحتَ بالجهلِ ما تُخفيهِ من أحدٍ … حتى جرتْ بكَ أطلاقا محاضيرُ تريدُ أمراً فما تدري أعاجلهُ … خيرٌ لنفسِكَ أم ما فيهِ تأخيرُ؟ استرزقِ اللهَ ممَّا في خزائنهِ … فبينما العسرُ إذ دارت ميايسيرُ بينا يرى المرءُ في الأحياءِ مغتبطاً … إذ صارَ في التربِ تعلوهُ الأعافيرُ يبكي الغريبُ عليهِ ليسَ يعرفهُ … وذو قرابتِهِ في الحيِّ مسرورُ كأنَّهُ لم يكنْ إلا يُذكِّرهُ … والدهرُ أيتما حالٍ دهاريرُ قد كانَ آخرُ عهدٍ من أخيكَ إذا … ما المرءُ ضمنَهُ اللحدُ الخناصيرُ
قال: فبينما أنا أردد هذه الأبيات وعيناي ينسكبان انسكاباً، إذ قال لي رجل إلى جنبي من عذرة: يا عبد الله، هل تعرف قائل هذا الشعر؟ قلت: لا والله. قال: فإن قائله هو هذا الميت الذي دفناه! فأنت الغريب الذي تبكي عليه، وذو قرابته الذي ذكرت أنهم مسرورون هو ذاك -وأشار إلى رجل في الجماعة-.
فقال له معاوية: يا أخا جرهم، سل ما شئت. قال: ما مضى من عمري ترده، وأجل قد حضر تدفعه؟ قال: ليس ذلك إلي، سل غير هذا. قال: يا أمير المؤمنين، إذا لم يكن إليك رد شبابي ولا دفع الموت عني، فما لي في غيره حاجة. وأما المال فقد أخذت منه في عنفوان شبابي ما كفاني. قال: لابد أن تسألني. قال: أما إذا أبيت، فأمر لي برغيفين؛ أتغدى بأحدهما وأتعشى بالآخر، واتق الله يا أمير المؤمنين، واعلم بأنك مفارق ما أنت فيه، وقادم على ما قدمت؛ إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
فأمر له معاوية برواحل كثيرة من حنطة وغيرها، فردها وقال: إن أعطيت المسلمين كلهم مثل ما أعطيتني وإلا فلا حاجة لي في شيء من ذلك. وودعه وانصرف.
